محمد فاروق النبهان

145

المدخل إلى علوم القرآن الكريم

مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ [ الحج : 52 ] ويفيد معنى الإبطال ، يقال : نسخت الشمس الظل أي أزالته ، ونسخت هذا الكلام أي أبطلته ومعنى الإزالة واضح في النسخ . المعنى الثاني : النقل والتبديل والتحويل : يقال : نسخت الكتاب إذا نقلت ما فيه حاكيا لفظه وخطه ، ويأتي بمعنى التبديل ، وَإِذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ [ النحل : 110 ] واستعملت كلمة النسخ في المصطلح الفقهي بمعنى التحويل ، كتناسخ المواريث أي تحويل الميراث من واحد إلى آخر . وجاءت لفظة « النسخ » في الاصطلاح بمعنى : « رفع الحكم الشرعي بدليل شرعي » وكلمة « الرفع » دقيقة المعنى ، لأنها تعبر عن المعنى الحقيقي لمعنى النسخ والغاية منه ، وكلمة الرفع أدق من كلمة الإزالة والتبديل والنقل والتحويل ، فالنسخ هو رفع حكم شرعي بدليل ، وكلمة النسخ أدق من كل كلمة تفسيرية ، إذ لا يمكن لأية كلمة أن تفيد المعنى المطلوب ، وعلم الناسخ والمنسوخ هو العلم الذي يبحث في ظاهرة رفع الأحكام الشرعية السابقة بأحكام شرعية لا حقة . وهنا نتوقف قليلا عند مفهوم النسخ ، فقد يكون النسخ الظاهر بيانا لاحقا للحكم الشرعي الأول ، وبخاصة في حالات عدم وجود تعارض حقيقي في الأحكام المتعاقبة المتلاحقة ولا مجال للقول بوجود النسخ مع وجود البيان المتمم للحكم ، إذ لا يمكن القول بوجود نسخ في قوله : ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ ، عن طريق اصطناع فصل بين أجزاء الآية ، فالكلام متصل ومتكافل وواضح ، ولا يتضح الحكم بعد أن يكتمل الخطاب . ولا يمكن تصور النسخ إلا في حالات محدودة ، حيث يبرز النسخ كحقيقة لا يمكن إنكارها ، كما في حالات نسخ التلاوة ، وهذا نسخ حقيقي ، لا مجال لإنكاره ، وهناك نسخ حكم سابق بحكم لاحق ، إذا تعذر الجمع بين الحكمين ، ولا أظن أن توسيع دائرة النسخ في القرآن من الأمور المطلوبة ، فالأصل أن يكون كل ما في القرآن خطابا للمكلفين ، إلا ما ثبت نسخ حكمه .